ابن أبي الحديد
34
شرح نهج البلاغة
فيهما في الجمع ، قال : فأي طعام ناله عندك ارفع ؟ قالت : خبزنا مره خبزة شعير فصببت عليها - وهي حارة أسفلها - عكة ( 1 ) لنا كان فيها سمن وعسل فجعلتها هشة حلوة دسمة ، فاكل منها فاستطابها ، قال : فأي مبسط كان يبسط عندك أوطأ ؟ قالت : كساء ثخين كنا نرقعه في الصيف فنجعله ثخينا فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه ، وتدثرنا بنصفه ، قال : فأبلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قدر فوضع الفضول مواضعها ، وتبلغ ما أبر ، وإني قدرت فوالله لأضعن الفضول مواضعها ، ولا تبلغن ما أبر حبة . * * * وفد على عمر وفد فيه رجال الناس من الآفاق فوضع لهم بسطا من عباء ، وقدم إليهم طعاما غليظا فقالت له : ابنته حفصة أم المؤمنين : انهم وجوه الناس وكرام العرب فأحسن كرامتهم . فقال : يا حفصة ، أخبريني بالين فراش فرشته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأطيب طعام اكله عندك قالت : أصبنا كساء ملبدا عام خيبر ، فكنت أفرشه له فينام عليه ، وإني رفعته ليلة ، فلما أصبح قال : ما كان فراشي الليلة ؟ قلت : فراشك كل ليلة الا ، أنى الليلة رفعته لك ليكون أوطأ ، فقال : أعيديه لحالته الأولى فان وطاءته منعتني الليلة من الصلاة . وكان لنا صاع من دقيق سلت ( 2 ) ، فنخلته يوما وطبخته له ، وكان لنا قعب من سمن فصببته عليه ، فبينا هو عليه السلام يأكل إذ دخل أبو الدرداء ، فقال : أرى سمنكم قليلا ، وان لنا لقعبا من سمن قال عليه السلام : فأرسل فأت به ، فجاء به فصبه عليه فاكل ، فهذا أطيب طعام أكله عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأرسل عمر عينيه بالبكاء وقال لها : والله لا أزيدهم على ذلك العباء وذلك الطعام
--> ( 1 ) العكة : للسمن ، كالشكوة للبن ، وقيل : العكة أصغر من القربة للسمن ، وهي زقيق صغير . ( 2 ) السلت ، بالضم : ضرب من الشعير ، أو هو الشعير بعينه .